لا يجوز ان نتعامل مع قرار "الجماعة" بمقاطعة الانتخابات ، بمنطق "صب الزيت على النار" او بمنطق الاحتفاء تارة والشماتة تارة اخرى ، او -حتى - بمنطق حسابات الربح والخسارة التي تختزل "التكاليف" فيما تدفعه الحركة فقط ، دون النظر الى "التكلفة" التي سيدفعها المجتمع ، وهي لا تقل اهمية عن تلك التي سيدفعها الاسلاميون ، سواء على الصعيد الداخلي او الخارجي ، على صعيد حركة الاصلاح المنتظر او الاستحقاقات السياسية والاقتصادية وغيرهما.
اذا اتفقنا على ان مشاركة "الاخوان" في الانتخابات ضرورة وطنية ، وعلى ان الرجوع عن قرار المقاطعة "فضيلة" مطلوبة ، فان الدفع بهذا الاتجاه يحتاج الى منطق اخر ، منطق يعتمد -اولا - على فهم "الحالة" التي افرزت هذا الخيار ، وثانيا على البحث عن "المشتركات" لتي يمكن ان تفضي الى تفاهمات ما للرجوع عنه ، وثالثا على اعتبار ان ما حصل ليس مجرد "بروفة" مكررة لقرار عام 97 ، لا من حيث الاسباب ولا من حيث النتائج ، بقدر ما هو "حالة" جديدة ومختلفة ، يفترض قراءتها بدقة والتعامل معها بأدوات اخرى.
لا شك ان "المقاطعة" -اية مقاطعة - ستسفر عن خسارات ، وبأن حسابات "جدواها" مهما كانت تبدو صعبة ، وبأنها -بالتالي - تعبر عن "ازمة" حقيقية او تكشف عن حالة من "الاحباط" والاصطدام بالجدار ولا يهم -هنا - من اوصل من الى هذه الحالة ، وانما المهم هو كيف نتجاوزها ونتخطاها وكيف نجتهد في التقليل من خسائرها ، وكيف "نطوقها" بما يلزم من حلول ومعالجات ، واعتقد ان المهمة -الآن - لا تتعلق "بالاخوان" فقط ، وانما بأطراف اخرى كثيرة ، وعليه افترض ان العودة عن هذا القرار ما زالت ممكنة ، دعك من انها ضرورية ، وقد ذكرت -امس - ان ما يتطلع اليه "الاخوان" جراء التلويك بالقرار هو "البحث عن تحسين او انضاج مطالب للمشاركة" ، واتمنى ان تكون هذه القراءة صحيحة ، رغم انني سمعت كلاما مختلفا من بعض الذين علّقوا على ما ذكرت او انتقدوه ، لكنني ما زلت على قناعة بان دفع الاخوان الى "المشاركة" وتشجيعهم عليها ، ما زال ممكنا ، وبان الفرصة لم تفت بعد ، وبان "لواقط" التي يفترض انها استقبلت رسالة "المقاطعة" لا بد ان تظل مفتوحة لتحليلها وفهمها واستدراكها ، لا تسأل لماذا؟
فالمشاركة -من اي جهة - مسالة مطلوبة وضرورية ، فما بالك بمشاركة "الاسلاميين" بما يمثلونه من حضور سياسي واجتماعي ، لكن المهم كيف؟ واعتقد ان لدينا ما يلزم من وقت للاجابة على هذا السؤال ، والرد على ما اثاره من هواجس هنا وهناك ولا بمنطق التهويل او التهوين ، او منطق الاستقبال وعدم الرد ، وانما -كما اسلفنا - بمنطق التشجيع والدفع اللذين ينتجهما التفاهم والحوار ، والبحث عن "المشتركات" التي تحقق المصلحة العامة.
باختصار ، اذا كان الاسلاميون سيخسرون من "المقاطعة" فان خسارة مجتمعنا لا تقل ايضا عن خسارتهم ، واذا كانت "مشاركتهم" في الانتخابات مطلوبة ومرحّب بها فمن واجب الجميع ان يدفعوا باتجاهها ، وان يمهدوا الطريق لها لكي تسير في الاتجاه الذي نريده.. كيف؟ لا ادري ولكنني اتمنى ان نجتهد جميعا في تقديم ما يلزم من اجابات.. وهي موجودة -بالتأكيد - ومطلوبة الآن اكثر من اي وقت مضى.
?xml:namespace>
(الدستور)
الدستور)