قرار الحركة الاسلامية بمقاطعة الانتخابات النيابية جاء مفاجئا للدولة والاوساط السياسية والرأي العام الاردني الذي كان يراهن على عقلانية "كبار الاخوان" لكن يبدو ان الحركة تغيرت داخليا بطريقة كبيرة لم نلحظها ولكنها تفرض إعادة قراءة "الاخوان" مرة جديدة وتحديد طبيعة "الخلطة" المتنوعة التي باتت تجمعها "عباءة الاخوان".
والمعروف ان نتائج استفتاء قواعد الحركة الاسلامية على المشاركة او مقاطعة الانتخابات النيابية بينت ان اكثر من 80 بالمئة منهم ايدوا خيار المقاطعة, لكن الرهان كان على الاطر القيادية ومجلس الشورى الذي ايد باغلبية 70 بالمئة خيار القواعد بمقاطعة الانتخابات.
لا شك ان هناك فوضى كبيرة وخليطا عجيبا ومواقف شخصية داخل الحركة الاسلامية لعدة اعتبارات اولها ابتعاد الحركة عن الدولة في السنوات الماضية, بعد انفكاك التحالف التاريخي مع الدولة الاردنية عام 1994 بسبب توقيع معاهدة السلام الاردنية الاسرائيلية وتحول "الاخوان" من معسكر التحالف التاريخي والموالاة للدولة الى معسكر المعارضة, اضافة الى انعدم الحوار مع الحكومات مما وتر الاجواء وادى الى انعدام الثقة بين الطرفين.
لقد وضع "الاخوان" شروطا صعبة على الحكومة للعودة عن قرار المقاطعة "إعادة النظر في قانون الانتخاب ورفع الحصار عن الحركة الاسلامية ومعالجة قضايا المعلمين وعمال المياومة ورفع الوصايا على الجامعات.." ومع ذلك فان امكانية الحوار تبقى متوفرة لان لا مصلحة لاي من الطرفين باشتداد خطوط التماس في ظل الاوظاع السياسية الاقليمية المتوترة.
فشرط "الاخوان" بتغيير قانون الانتخاب قبل موعد الانتخابات بثلاثة اشهر مطلب غير قابل للتنفيذ اضافة الى ان "الاخوان" من عام 1993 يشاركون في الانتخابات على القانون نفسه ولم يقاطعوه الا عام 1997 حتى في الانتخابات البلدية التي جرت عام 2007 ورغم انسحابهم في يوم الاقتراع بسبب "جرعة" التزوير العالية الا انهم بعد شهرين عادوا الى صناديق الاقتراع وشاركوا في الانتخابات النيابية.
والغريب ان يطرح الاخوان قضية عمال المياومة وقضية المعلمين ضمن شروطهم وهم لم يكونوا فيها طرفا مباشرا لمساندة اعتصامات عمال المياومة, ولم يكن لهم دور يذكر في تحركات المعلمين منذ بدايتها, واقتصرت مشاركتهم كافراد لكنهم غابوا كتنظيم والدليل على ذلك ان ثقل "الاخوان" في عمان والزرقاء لم ينعكس على تحركات المعلمين في المدينتين.
الجديد في قرار المقاطعة ان تياري الصقور والحمائم التقيا على تأييد القرار كل من منطقة, فالصقور هم الاقرب الى رفض اي مشاركة في الحياة السياسية وعادة ما تكون مطالبهم من الحكومة قاسية لوجود اعتبارات خارجية, اما الحمائم رغم عتبهم على الحكومة السابقة التي "خسَرت" رموزهم في الانتخابات النيابية الاخيرة (عبد اللطيف عربيات وارحيل الغرايبة) فان منطقهم ليس فقط "رد الصاع صاعين " للحكومة بل ياتي حماسهم لمقاطعة الانتخابات من اجل اغلاق الطريق على الصقور ومنعهم من دخول البرلمان وقيادة الحركة الاسلامية في السنوات الاربع المقبلة.
المعادلة الداخلية في "الاخوان" معقدة فهناك صقور محسوبون على حماس كانوا مع قرار المشاركة وهناك حمائم ايضا ايدوا المشاركة تضاف لهم مجموعة تيار الوسط الذين قاتلوا من اجل تثبيت خيار المشاركة لكن نسبتهم لم تزد على 20 بالمئة من عدد اعضاء مجلس الشورى, وهذا الامر يدفع الدولة الى التردد والتفكير مع من تتحاور ولمن تقدم تنازلات في ظل هذا الفسيفساء العجيبة.
ان قرار مقاطعة الاخوان للانتخابات المقبلة محرج ومضر لجميع الاطراف, فهل يستطيع "الاخوان" الاستغناء عن حضن الدولة الدافىء وتكريس "الطلاق البائن" مع الدولة حليفهم التاريخي في ظل اوضاع اقليمية ودولية ضاغطة عليهم وعلى افكارهم, وقرار المقاطعة ليس سهلا وهو بحاجة الى تغيير اللعبة وقواعدها بين الدولة والاخوان.0
?xml:namespace>
nabil.ghishan@alarabalyawm.net
?xml:namespace>
(العرب اليوم)