?xml:namespace>
الشيء الأكيد الوحيد في معادلة العلاقة الرسمية مع الإخوان هو المتمثل في سياسة التحجيم التدريجي التي لم تتوقف فصولا منذ نهاية الثمانينات وحتى الآن، وأي كلام غير هذا لا صلة له بالسياسة وقوانينها التقليدية، إذ ليس ثمة سلطة تتصدق على معارضتها، ومن الطبيعي أن تحجمها بالطريقة التي تراها مناسبة، والأمر هنا لا صلة له بالأيديولوجيا، فالمعارضة هي المعارضة سواءً كانت قومية أم يسارية أم علمانية أم إسلامية، بل إن استهدافها يمكن أن يكون أكثر حدة في حال كانت علمانية ولقيت ترحيبا من الغرب، وإلا فهل كان أيمن نور في مصر إسلاميا حتى يستهدف على النحو الذي تابعناه؟!
من هنا، فإن كل الكلام الذي يتردد في الصحافة منذ زمن طويل عن الموقف الرسمي من الإخوان هو كلام قديم لا صلة له بالعقدين الأخيرين، وإلا فأين يمكن تصنيف عمليات التحجيم التي بدأت بالمساجد ثم (البرلمان عبر قانون الصوت الواحد المجزوء)، ثم الجامعات والنقابات، وانتهت بالعمل الاجتماعي عبر السيطرة على جمعية المركز الإسلامي، وجميعها تندرج في سياق واحد هو ضرب مواقع اتصال الجماعة بالجماهير.
مرة أخرى نقول إن ذلك أمر طبيعي، وعندما تجد الجهات المعنية جماعة تستجيب لعمليات التحجيم على النحو الذي توفر خلال العقدين المذكورين، فلماذا لا تواصل مسارها دون توقف هي التي فعلت ذلك من قبل مع القوميين واليساريين، ويمكن أن تكرره مع أي تيار جديد يأخذ مسار المعارضة.
لسان حال الإخوان في قرار المقاطعة يتلخص في مقولة "ليس لدينا ما نخسره"، الأمر الذي يبدو مفهوما إلى حد كبير، ولو وصل الأمر حد حلّ الجماعة فلن يتغير الكثير، بل إن المرجح أن تحصد الجماعة مزيدا من الشعبية والتماسك، وهو تحديدا ما يجعل الكثيرين يستبعدون القرار المذكور في المدى القريب.
في المقابل كان قرار المشاركة بالغ الصعوبة على قيادة الجماعة، وكان يمكن أن يدخلها في مشاكل كثيرة، لعل أولها وأهمها الصدام مع قواعدها بعدما أفرزت نتائج الاستفتاء الداخلي نتيجة ساحقة لصالح المقاطعة.
الأهم من ذلك أن نوايا النزاهة "الإجرائية" التي تلوح في الأفق لن تفعل الكثير للجماعة على صعيد النتيجة في ظل حقيقة أن قواعدها ليست متحمسة للمشاركة، الأمر الذي ينطبق على جماهيرها وأنصارها، وهو ما قد يؤدي إلى نتيجة سيئة تمنح خصومها فرصة القول إنها محدودة التأثير، وأنها تحتضر من الناحية السياسية. ولا أظن أن أحدا يمكنه القول إن الحكومة ستبادر إلى تغيير النتيجة لصالح الجماعة من أجل توفير كتلة معارضة محدودة في المجلس حتى لو كان ذلك أفضل من الناحية السياسية للمرحلة المقبلة؟!
بقرار المقاطعة تجنبت الجماعة أيضا مشاكل الترشيح، وهي مشاكل لن تكون بسيطة بأي حال، وفي المرات السابقة وقعت صراعات لافتة على هذا الصعيد، لاسيما في المرة الماضية، ذلك أن الراغبين في الترشيح كثر، ومنهم من كانت تجربته السابقة ضعيفة على مختلف الأصعدة، وهناك آخرون لا يحوزون ثقة القواعد، وهناك عمليات حشد وكولسة تثير الحساسيات.
الأكيد أن الغياب عن منبر البرلمان يعد خسارة، لكن القرار هو حصيلة الموازنة بين الأرباح والخسائر، وقد وجد القوم، وهم أحرار في قرارهم، أن الموازنة المذكورة تدفع في اتجاه المقاطعة فقاطعوا. ولكن ما الذي يمكن أن تفعله الجماعة في المرحلة المقبلة؟
ما يمكن أن تفعله هو العمل الجماهيري السلمي المعبر عن ضمير الناس ومطالبهم بكل إخلاص وقوة (أدواته أكثر من أن تحصر)، وهو عمل لا يتلخص في الوجود في مجلس النواب الذي تتراواح أهميته في وعي الناس بحسب تعبيره عن هواجسهم، وسيكون بوسع الجماعة وحزبها أن يشكلوا بالفعل حالة سياسية ذات حضور كبير إذا لملموا أوراقهم وعزموا أمرهم وتآلفوا مع رموز المجتمع وفعالياته الأخرى.
المهم أن يرتبوا وضعهم الداخلي على أساس برنامج يتفقون عليه ويمكن أن يكون قابلا للتسويق على كافة أطياف المجتمع في المدن والقرى والبوادي والمخيمات. برنامج يركز على سائر القضايا التي تهم الناس في السياسة الداخلية والخارجية، وهو أمر ليس مستحيلا بحال، وفي التيارين اللذين تصارعا مؤخرا رموز على قدر من الوعي يمكنهم التصدي لهذه المهمة الكبيرة التي تصب في صالح الوطن والمواطن في هذه المرحلة الحساسة على مختلف الأصعدة.