هل سيقبل حزب جبهة العمل الاسلامي "بتوصية" شورى الجماعة ، ويقاطع المشاركة في الانتخابات البرلمانية القادمة؟ لا اعتقد ذلك ، أما لماذا؟ فلأن قرار الشورى - اولا - غير ملزم للحزب ، وثانيا لأن التصويت الذي جرى - سواء من القواعد أو من اعضاء مجلس شورى الجماعة ، لا يعكس وجود اصطفافات واضحة تدفع باتجاه المقاطعة ، فالتيارات منقسمة فيما بينها لدرجة يصعب تصنيف مع من المقاطعة ومن ضدها ، وثالثا لأن لدى الاخوان - حتى الذين اختاروا المقاطعة - ما يشبه القناعة بأن المشاركة اقل ضررا من المقاطعة ، وبأن "التلويح" بالاخيرة قد يحسن شروط المشاركة ، وينضج "ضمانات" حقيقية تسمح لهم بالرجوع عن القرار.. والدخول في التجربة من بوابة "ابداء" حسن النية ، واختبار "الفرصة" الاخيرة.
من المتوقع ان يتمهل الحزب في اشهار قراره ، وان تبدأ جولة جديدة من "الحوارات" داخل الحزب ومع الجماعة وبينهما وبين قوى وجهات معنية بهذا الملف ، ومن المتوقع - ايضا - ان تكون رسالة "شورى الجماعة" قد توصلت ، وان يجري التعامل معها وفق اعتبارات مختلفة ، اهمها توفير ما يلزم من "ضمانات" لترجيح كفة المؤيدين للمشاركة ، وتبديد مخاوف الجماعة من تكرار "السيناريوهات" التي ارتبطت بالانتخابات السابقة ، وتخفيف المناخات الضاغطة التي أوحت للبعض بأنهم مستهدفون وغير مرغوب في مشاركتهم.
واعتقد - هنا - ان هذه الاجراءات هي ما ينتظرها الذين لوحوا بالمقاطعة أو اختاروها ، لأنه من غير المفهوم ان يبادر الاخوان الى هذا الاتجاه ، أو ان لديهم "سيناريوهات" متفق عليها سلفا ، تبدأ بالتلويح بالمقاطعة.. ثم تأخذ اشكالا مختلفة من التداول والردود.. انتهاء باعتماد وصفة "المشاركة" المشروطة ، أو النوعية ، أو المحددة ، انتصارا للواجب الوطني.. وتخفيفا للتداعيات التي قد تترتب على المقاطعة.. والتقليل ما أمكن من الخسائر التي قد تلحق الجماعة اذا اختارت تكرار تجربة ,97
لا ادري لماذا أرجح هذا السيناريو الذي يعتمد على ان قرار "شورى" الجماعة تكتيكي وليس استراتيجيا ، وعلى انه "تلويح" يدخل في لعبة المقايضة وانضاج شروط المشاركة وتحسينها والحصول على ما أمكن من ضمانات وربما تفاهمات أو صفقات تفضي الى التراجع عن هذا القرار ، ربما لأنني أدرك المنهجية التي يفكر بها اخواننا الاسلاميون ، وربما - ايضا - لأنني افترض بأن اكثر الاصوات التي صوتت للمقاطعة انطلقت من حسابات سياسية بحتة ، لا علاقة لها بما جرى مثلا في 97 حين كانت الاصطفافات لها خلفية دينية ومواقف معروفة ، وربما - ايضا - لأن تجربة الاخوان في الانتخابات السابقة التي جاءت بعدما حدث في انتخابات البلديات ، حيث كانت ردودهم باتجاه "المشاركة" رغم خطابهم الانتقادي لما حصل ، تجربتهم آنذاك تجعلنا نفترض امكانية تكرار "البروفة" بمعنى ان الوصول الى حائط المقاطعة لم يحسم بعد ، وان كان كل الاشارات تؤكده ، فيما تبقى ربع الساعة الاخيرة "فرصة" للتراجع والانخراط مجددا في اللعبة.
هذه - بالطبع - مجرد احتمالات وافتراضات ، وقد يكون الاتجاه هذه المرة في عكس ذلك ، واعتقد ان لدى "الجماعة" ما يبرر السير في هذا الاتجاه متى جرى حسمه ، لكنني - كمراقب - اتمنى ان يتمهل اخواننا في حسم خيارهم ، وان لا تدفعهم بعض الاصوات والاشارات والرسائل التي لا ترغب بمشاركتهم الى ذلك ، كما اتمنى ألا ينعزل "الاسلاميون" - مهما كان قرارهم - عن القوى الفاعلة في المجتمع ، وان ينتظروا حتى تتضح الصورة بشكل افضل ، ويبقى ان نقول بأن اي اصابة تطرأ على هذه الحركة لن يصيبها وحدها وانما ستمتد الى مجتمعنا ، وبأن أي قرار ستتخذه سيؤثر على تجربتنا ، الأمر الذي يستدعي ألا نترك الجماعة وحدها ، وان نمد لها يد "المساعدة" لتتمكن من اتخاذ القرار الصحيح.
(الدستور)