عندما كنا أطفالا في المدارس, كنا ملتزمين بإحضار كل واحد فينا ((محرمة)) و هي عبارة عن قطعة قماش ملونة و مطرزة أحيانا, يطلق عليها بعضنا ((منديلا)), و كان يتم التفتيش على الطلاب أول كل أسبوع دراسي, فيمد الطالب يده إلى الأمام و هو يمسك ((بالمحرمة)) و يبرز أظافره, حتى يراها المعلم هل هي مقصوصة أم لا. و الويل و الثبور لمن نسي المحرمة أو لم يتسنى له قضم أظافره قبل وصول مربي الصف.
هذه المحرمة لها استعمالات كثيرة أهمها الاستعمال ((للتمخيط)) أي لتنظيف سوائل الأنف الدائمة و خاصة في أيام الشتاء, بالإضافة إلى مسح العرق, و مسح ما يعلق على الوجه من أوساخ و أحيانا تستعمل للتنشيف بعد غسل اليدين و الوجه, و فيها مآرب أخرى .
ثم يتم حشوها في الجيبة بعد الاستعمال, وقد تكون مرتبة أو غير مرتبة حسب شخصية حاملها, و يعاد غسلها مرة ومرة, و يعاد استعمالها مرات ومرات, و ربما تمكث مع الطالب طول السنة وقد تستمر معه سنوات, حسب قدرة الطالب على المحافظة على أدواته و ممتلكاته .
ثم ظهر اختراع جديد و هو "المحارم الورقية", وكان يقتصر استعمالها أول الأمر على الشخصيات الكبيرة والمرموقة, وكان يوضع مغلف المحارم الصغير في جيب القميص الظاهرة على الصدر, و يكون استعمالها مقننا حسب الحاجة الملحة, لان المحرمة الورقية لا يمكن استعمالها إلا مرة واحدة, ثم ترمى بالزبالة مع القليل من الحزن .
أما الان فأصبح كل الناس عامتهم و خاصتهم يستعمل هذا النوع من المحارم بل إن جيل اليوم و طلاب المدارس لا يعرفون مناديل القماش, و لم يروها, وإذا سردت عليهم قصتها لتعالت ضحكاتهم و صرخاتهم المشبعة بالسخرية و قليل من القرف.
أصبح هذا اللون من الاستعمال أسلوب حياة و انتقل إلى أواني الشراب و الطعام فتم إنتاج صحون ورقية و أكواب بلاستيكية يتم استعمالها لمرة واحدة ثم يعاد قذفها في سلة المهملات وفي ذلك توفير للوقت وأكثر أمانا من حيث النظافة و العدوى و انتقال الأمراض مع الاعتراف بزيادة الكلفة المادية, و أصبح هذا النمط الاستهلاكي نمطا ضروريا من أنماط الحياة لا يتصور الاستغناء عنه .
الطريف في الأمر أن هذا الأسلوب الثقافي في التعامل مع الأشياء انتقل إلى أنماط الحياة الأخرى وخاصة في المجال الإداري و المجال السياسي و لا تستغربوا ذلك.
لقد سمعت رواية عن احد السياسيين انه قال لسيده المسؤول عنه في باب المجاملة و الخضوع : "يا سيدي اعتبرني محرمة ورقية في يدك, و إن شئت وضعتها في جيبك, و إن شئت استعملتها و قذفتها في سلة المهملات" .
هذه العبارات أصبحت عنوانا لنمط سياسي معاصر, و نظرية سياسية جديدة معاصرة و هي استعمال الرّجل لمرة واحدة, و لمرة واحدة فقط, ثم ينتهي دوره و يبحث عن جديد, و خاصة في المهمات الصعبة ذات التكلفة العالية, و الضريبة الباهظة على الصعيد الشعبي و الجماهيري. و لذلك يؤتى بهذا الشخص مكرما في البدء لينجز المهمة, ثم ينتهي به الأمر بعد انجازها مقذوفا به خارج دائرة الفعل و قد مسحت به الآثار الجانبية غير المرغوب بها للمهمة.
على كل حال هذه سنة الحياة في التطور, فأصبحت الحاجة ملحة لإيجاد الأشخاص الورقيين, أو البلاستيكيين الذين يستطيعون تأدية المهمة الواحدة الصعبة. من اجل استمرار الحياة و استمرار إدارتها و سياستها, ومن اجل تسليك الأمور و تسويغها لدى للجماهير.
مما يقلل الحزن لدى هؤلاء الأشخاص الورقيين, من حيث فقدان الأمل في إعادة الاستعمال مرة أخرى, فهناك تطور جديد آخر وهو ما يسمى بإعادة التدوير, و لذلك نجد أن هناك بعض الشركات المختصة التي استطاعت تدوير النفايات, من اجل إعادة استعمالها مرة أخرى في وظائف أخرى .
فلله في خلقه شؤون, وستبقى الحياة تسير وتتطور من حال إلى حال والحاجة أم الاختراع, فعندما انتشر وباء "أنفلونزا الخنازير" المرعب, ومن أجل الوقاية من هذا الوباء ظهر اختراع (فناجيل القهوة) البلاستيكية الصغيرة التي انتشر استعمالها في الأفراح و الأتراح وكان اختراعا جميلا لقي الاستحسان عند العامة, وكل تطوير وكل تعديل وانتم بخير.
rohileghrb@yahoo.com